أعدك بأن أتخلّى عن غيرتي .. عن مقاهي عمان
"في شارع الرينبو، هناك مطعم صغير اعتدتُ على تناول فطوري وقهوتي فيه في الصباح الباكر. حرصتُ دائما على الجلوس إلى طاولة تقع بجانب نافذة تطل على بيت يبدو أنه مهجور، أو أن من يقطنه سئم من الاهتمام به. تُرك أمام إحدى نوافذه المكسورة مقعد تمرّدت أحشاؤه احتجاجا على الهجر فشقّت طريقها خارجة من قماشه الأصفر. لا أذكر عدد المرات التي اجتاحتني فيها الرغبة العارمة بالجلوس على ذلك المقعد لاختبار قدرة المواساة على رتق جروح الانتظار. أشعل سيجارتي وأستنشق "نفسا طويلا" لأنفث غيمة كثيفة أتخيل أنني سأرى عند تبددها أحشاء المقعد الإسفنجية وهي ترتد عائدة إلى العمق.. لكن شيئا لم يحدث! يبدو أن التخاطر لا يجدي نفعا مع المقاعد!
"مور كوفي؟" يسألني صاحب المطعم وهو يمسك بإبريق القهوة الأمريكية الزجاجي. تعجبني جدا ثقافة ال "مور كوفي" هذه ..أنا القادمة من ثقافة ال " الفنجان الأول للضيف، والثاني لل "كيف" والثالث للسيف" استقرّت وحدتي في ذلك المكان عند الفنجان الثاني. مددتُ كوبي ليملأه صاحب المطعم عدة مرات يتوقف العد في كل واحدة منها عند الرقم "اثنين". يغازل سؤال ال "مور كوفي" فرديّتي و "كيفي" ويشبع حاجتي إلى العزلة في مدينة تكدّسَ فيها الناس في صناديق إسمنتية لبعضها شُرفات تطل على صناديق إسمنتية أخرى..أو على شوارع تكتظ بالسيارات في أفضل الأحوال. هل رفض ذلك المقعد الانتقال مع مالكه إلى أحد الصناديق فدفع ثمن عناده؟ أم أن مالكه غادر إلى العالم الآخر في صندوق خشبي؟ لن يكون هناك ما هو أجمل من أن أسرق إبريق القهوة الزجاجي وأستمر في إعادة ملء كوبي "الثاني" وأنا أجلس فوق هذا المقعد!
كنت أنتقي ساعات الصباح الباكر جدا من أيام الجمعة والسبت لأراقب البيت المهجور أثناء تناول الفطور والقهوة. في تلك الساعات تكون شوارع عمّان شبه فارغة، عمّان التي أحببتُها دوما في وحشتها لأتمكن من الاحتفاظ بشوارعها ومحالّها وأشجارها لنفسي.. أغارُ من عيون الآخرين وهي تنظر إلى ذات الأماكن التي أنظر إليها. ترعبني فكرة أن لا يروا في شجرة يقاسمونني النظر إليها سوى شجرة في الوقت الذي أراها فيه "ديوانا" يرحب بعصافير عمّان! أحث خطاي في اتجاهات عشوائية.. فكلُ ما في عمّان حبيبي..وكل الوجهات تقودني إلى بيتي. لا أخشى أن أتوه، لأن دائرة "واوي" انفلتت من محيطها وانشطرت إلى نقطتين هما قدماي..فأتيه في عمّان التي قست علي كثيرا. لا يمكن لحب الوطن إلا أن يكون مازوخيا..وإلا فلن يموت من أجل الوطن أحد!
أشعر بالذنب لأنني تمنيتُ وأحببتُ أن أرى شوارع عمّان فارغة! هذه هي المرة الأولى التي أُمنّي النفس فيها بامتلاء عمان من جديد مثلما كنت أملأ كوب قهوتي..أريد لها أن تمتليء وتفيض حتى يطيب "كيفها" وتلتئم جراح انتظار مقاعدها للأحباء. اكتظي وازدحمي..وأعدكِ بأن أتخلّى عن غيرتي."
"مور كوفي؟" يسألني صاحب المطعم وهو يمسك بإبريق القهوة الأمريكية الزجاجي. تعجبني جدا ثقافة ال "مور كوفي" هذه ..أنا القادمة من ثقافة ال " الفنجان الأول للضيف، والثاني لل "كيف" والثالث للسيف" استقرّت وحدتي في ذلك المكان عند الفنجان الثاني. مددتُ كوبي ليملأه صاحب المطعم عدة مرات يتوقف العد في كل واحدة منها عند الرقم "اثنين". يغازل سؤال ال "مور كوفي" فرديّتي و "كيفي" ويشبع حاجتي إلى العزلة في مدينة تكدّسَ فيها الناس في صناديق إسمنتية لبعضها شُرفات تطل على صناديق إسمنتية أخرى..أو على شوارع تكتظ بالسيارات في أفضل الأحوال. هل رفض ذلك المقعد الانتقال مع مالكه إلى أحد الصناديق فدفع ثمن عناده؟ أم أن مالكه غادر إلى العالم الآخر في صندوق خشبي؟ لن يكون هناك ما هو أجمل من أن أسرق إبريق القهوة الزجاجي وأستمر في إعادة ملء كوبي "الثاني" وأنا أجلس فوق هذا المقعد!
كنت أنتقي ساعات الصباح الباكر جدا من أيام الجمعة والسبت لأراقب البيت المهجور أثناء تناول الفطور والقهوة. في تلك الساعات تكون شوارع عمّان شبه فارغة، عمّان التي أحببتُها دوما في وحشتها لأتمكن من الاحتفاظ بشوارعها ومحالّها وأشجارها لنفسي.. أغارُ من عيون الآخرين وهي تنظر إلى ذات الأماكن التي أنظر إليها. ترعبني فكرة أن لا يروا في شجرة يقاسمونني النظر إليها سوى شجرة في الوقت الذي أراها فيه "ديوانا" يرحب بعصافير عمّان! أحث خطاي في اتجاهات عشوائية.. فكلُ ما في عمّان حبيبي..وكل الوجهات تقودني إلى بيتي. لا أخشى أن أتوه، لأن دائرة "واوي" انفلتت من محيطها وانشطرت إلى نقطتين هما قدماي..فأتيه في عمّان التي قست علي كثيرا. لا يمكن لحب الوطن إلا أن يكون مازوخيا..وإلا فلن يموت من أجل الوطن أحد!
أشعر بالذنب لأنني تمنيتُ وأحببتُ أن أرى شوارع عمّان فارغة! هذه هي المرة الأولى التي أُمنّي النفس فيها بامتلاء عمان من جديد مثلما كنت أملأ كوب قهوتي..أريد لها أن تمتليء وتفيض حتى يطيب "كيفها" وتلتئم جراح انتظار مقاعدها للأحباء. اكتظي وازدحمي..وأعدكِ بأن أتخلّى عن غيرتي."



تعليقات
إرسال تعليق